عبد الجبار الرفاعي

290

محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية

اليمنى ثم يصبه باليسرى ، وبعد ذلك يغسل اليمنى ، فهذه العملية على خلاف الطبع ؛ لأن من يريد غسل يده اليمنى يأخذ الماء مباشرة باليسرى ويغسل به اليمنى ، فإذا تكررت من المعصوم فإنها تدل على أن هذا الفعل راجح ومستحب ، وإلا لو لم يكن راجحا لما كرره . إذا الفعل بمجرده لا يدل على الاستحباب إلّا إذا كان عبادة وتكرر وواظب عليه المعصوم ، ولم يكن لتكراره سببا ومنشأ غير السبب الشرعي ، ولا سيما إذا كان هذا الفعل مما لا يقتضيه الطبع . دلالة الترك : اما ما يخص الترك ، فلو صدر فعل من المعصوم ، فهل يدل على عدم كونه مرجوحا ؟ هناك فرق بين كون الفعل راجحا وبين كونه مرجوحا ، فالراجح هو المستحب ، وعدم كونه مرجوحا أي عدم كونه مكروها ، وان كانت المرجوحية معنى أعم من الكراهة ؛ لأنه قد يكون الفعل نفسه مكروها ، وقد يكون الترك مستحبا ، وبالتالي في الصورتين ينطبق عنوان المرجوحية ، وان كانت النتيجة واحدة ، فان ترك الامر الفلاني ، كالجلوس في الطرقات مستحب ، والوقوف في الطرقات والتعرض للمارة - بغير الحرام - يكون مكروها . إذا هل يدل فعل المعصوم على أنه ليس مرجوحا . كما فيما لو شرب الماء واقفا ؟ فهل يدل هذا الفعل على أن شرب الماء وقوفا ليس مكروها ؟ الجواب : ان هذه المسألة ترتبط بالمبنى الكلامي الذي يتبناه الأصولي . وبعبارة أخرى : أن هذا المورد من موارد تغلغل علم الكلام في علم أصول الفقه ، فهذا العلم - أصول الفقه - اخترقته مجموعة علوم ، ومن العلوم التي امتزجت به العلوم العقلية ، وبالذات الفلسفة ، وبالدرجة الثانية علم الكلام ، ومن المؤسف ان بعض البحوث اللغوية المبنية على المواضعات العرفية قد حللت